كيف ستتأثر قناة السويس باضطراب الملاحة عبر مضيق باب المندب؟

قناة السويس

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، قد تلحق بقناة السويس أضرار بالغة إذا أُغلق مضيق باب المندب
    • Author, عاطف عبد الحميد
    • Role, بي بي سي نيوز عربي
  • Published
  • مدة القراءة: 7 دقائق

يتمتع مضيق باب المندب بأهمية إستراتيجية كبيرة في منطقة الشرق الأوسط وعلى مستوى العالم أيضاً كونه المعبر إلى قناة السويس المصرية، الممر المائي الدولي الذي يوفر أقصر مسار بحري يصل شرق العالم بغربه من خلال الربط بين البحرين الأحمر والأبيض المتوسط.

لذلك، يُعد أي إغلاق لهذا الممر أو اضطراب في حركة السفن عبره من أهم العوامل التي قد تضر كثيراً بقناة السويس وما تحققه من إيرادات.

ويقع المضيق بالقرب من الطرف الجنوبي للبحر الأحمر بين اليمن في شبه الجزيرة العربية وجيبوتي وإريتريا على الساحل الأفريقي.

ويبلغ عرض مضيق باب المندب 29 كيلومتراً، ما يوفر سلاسة في مرور السفن عبره ذهاباً وإياباً في نفس الوقت. كما أنه الشريان الرئيسي لشحن السلع والبضائع من شرق العالم إلى غربه، خاصةً من آسيا إلى أوروبا عبر قناة السويس.

ويوضح دكتور ريمون قلته، الباحث في الشؤون الأفريقية والجيوسياسية، في حديثه لبي بي سي: "أعتقد أنه يجب التمييز بين سيناريو الإغلاق الكامل لمضيق باب المندب وسيناريو استمرار الملاحة مع ارتفاع مستوى المخاطر، ففي الحالتين تتأثر قناة السويس، لكن حجم الأثر وآلياته يختلفان".

ويضيف: "الإغلاق الكامل لباب المندب يعني عملياً قطع البوابة الجنوبية التي تعتمد عليها حركة الملاحة المتجهة إلى قناة السويس، إذ لا يمكن النظر إلى القناة باعتبارها ممراً منفصلاً عن البحر الأحمر وباب المندب، وإنما هي جزء من منظومة ملاحية واحدة".

زحف الحوثيين

الحوثيون

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، سيطر الحوثيون في الأيام القليلة الماضية على مواقع إستراتيجية بالغة الأهمية بالنسبة لحركة الملاحة في مضيق باب المندب

سيطرت جماعة أنصار الله الحوثية خلال تقدمها الأخير في غرب اليمن على عدد من المواقع الإستراتيجية على ساحل البحر الأحمر وفي محيط مضيق باب المندب، من بينها مدينة وميناء المخا، وجزر حنيش، وبلدة (ذُو باب) الساحلية وجزيرة بريم (ميون) الواقعة في قلب المضيق، بعد انسحاب القوات الحكومية منها.

كما شمل التقدم الحوثي مناطق وطرق إمداد في محافظة تعز باتجاه الساحل.

تخطى البودكاست وواصل القراءة
يستحق الانتباه

شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك

الحلقات

البودكاست نهاية

وتمكن الحوثيون من السيطرة على مدينة المخا التي تتمتع بأهمية إستراتيجية كبيرة نظراً لموقعها القريب من البحر الأحمر على مسافة 75 كيلو متراً من مضيق باب المندب.

كما وصلوا إلى منطقة (ذو باب) التي تطل على البحر الأحمر بالقرب من المدخل الشمالي لمضيق باب المندب، وتتمتع بأهمية إستراتيجية وعسكرية كونها تقع على الطريق الساحلي الذي يربط بين مدينة المخا والمضيق.

وفي القلب من المضيق، سيطر الحوثيون على جزيرة بريم أو ميون التي تقسم المضيق إلى مسارين ملاحيين أو قناتين للذهاب والإياب، ويمنح موقع الجزيرة المميزة مَن يسيطر عليها نقطة متقدمة لمراقبة الحركة الملاحية عبر المضيق.

وتكتسب هذه المناطق أهمية إستراتيجية بسبب مواقعها على امتداد الساحل الغربي لليمن وقربها من مضيق باب المندب، أحد أبرز الممرات البحرية في العالم، والذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن وبحر العرب، ويشكل جزءاً رئيسياً من طريق التجارة البحرية بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس.

"السيطرة الكاملة"

ويرى قلته أن "التغيرات الميدانية التي شهدها اليمن خلال الأيام الماضية، من سيطرة الحوثيين على المخا وتقدمهم على الساحل الغربي لا تعني بالضرورة تحقيق السيطرة الكاملة على مضيق باب المندب".

ويضيف أن "التطور الأكثر أهمية هنا أن التهديد لم يعد مرتبطاً فقط بامتلاك القدرة على استهداف السفن من الساحل اليمني، وإنما في محاولة السيطرة على مواقع جغرافية تجعل تهديدهم لحركة الملاحة أكبر".

ويمر عبر المضيق أكثر من 7.4 مليون برميل نفط يومياً، و12 إلى 15 في المئة من التجارة العالمية من آسيا إلى أوروبا، علاوة على 25 في المئة من واردات أوروبا من الغاز المسال.

وعلى مدار سنوات الحرب الأخيرة في غزة، تكررت هجمات الحوثيين على سفن تجارية تمرّ من مضيق باب المندب، وهو ما بررته الجماعة بأنه "رد على اعتداءات إسرائيل على الفلسطينيين في القطاع".

و"يُعد الحوثيون، الذين يسعون إلى السيطرة الكاملة على هذا الممر المائي الإستراتيجي في الوقت الراهن، حلفاء لإيران في منطقة الشرق الأوسط، لذلك تستخدمهم إيران في تدويل أزمتها مع الولايات المتحدة ونقل صورة طبق الأصل من الأزمة القائمة في مضيق هرمز إلى مضيق باب المندب"، وفقاً لخبير الملاحة محمد عبد السلام داود، وهو أستاذ أكاديمي وممثل الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري.

صدمة تجارة عالمية

سفينة حاويات

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، قد يتسبب الإغلاق المحتمل لمضيق باب المندب في صدمة للتجارة العالمية

في حديثه إلى بي بي سي قال داود إن "مضيق باب المندب يتمتع بأهمية بالغة بالنسبة لقطاع الطاقة ونشاط الشحن الدولي بصفة عامة، ونقل السلع والبضائع من آسيا إلى أوروبا نظراً لموقعه الإستراتيجي".

وأضاف أن "صدمة الطاقة تحولت إلى صدمة تجارة عالمية، والبديل هو اتخاذ مسار رأس الرجاء الصالح؛ لأن الوقت الذي ستسغرقه الرحلة من آسيا إلى أوروبا يشهد زيادة من 10 إلى 14 يوماً، وهو ما تترتب عليه زيادة كبيرة في تكلفة النقل والشحن"، متوقعاً أن ترتفع تكلفة إبحار سفن الحاويات بأكثر من 70 في المئة حال إغلاق المضيق.

وأشار خبير الملاحة إلى أن "طهران تنقل الأزمة التي نشبت بينها وبين واشنطن حول مضيق هرمز في الفترة الأخيرة إلى مضيق باب المندب عبر حلفائها في اليمن من باب المعاملة بالمثل".

قناة السويس قد تكون هي المتضرر الأكبر من أي اضطرابات في حركة الملاحة عبر مضيق باب المندب كونها الشريان الوحيد الذي يُمَكّن السفنَ من المرور عبره.

وقد شهدت حركة الملاحة في قناة السويس زيادة كبيرة في عبور السفن خلال يوليو/ تموز وأغسطس/ آب الماضيين تُقدر بحوالي 28 في المئة على أساس سنوي إلى 1232 سفينة، وفقاً لموقع مؤسسة "لويدز ليست" المتخصصة في قطاع الشحن البحري والتجارة الدولية.

وعادت أحجام حركة ناقلات النفط الخام تقريباً إلى مستويات ما قبل هجمات الحوثيين، في حين لا تزال حركة سفن الحاويات وناقلات المركبات أقل بكثير من متوسطات عام 2023.

لكن "لويدز ليست" يتوقع أن يتراجع هذا النمو، إذ تستفيد قناة السويس من إعادة توجيه التدفقات التجارية في حين أدى تجدد تهديدات الحوثيين إلى إبطاء تعافي حركة المرور عبر باب المندب.

توقّع داود أن "يتأثر دخل قناة السويس إلى حدٍ كبيرٍ، كما تتأثر الإيرادات النفطية في السعودية التي تصدّر النفط إلى آسيا عبر مضيق باب المندب وإلى أوروبا".

وقال خبير الملاحة إن "مصر وحدها لن تستطيع منع الحوثيين من السيطرة على مضيق باب المندب، فهناك حاجة إلى تعاون دولي في هذا الشأن".

قوات بحرية تابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، تُعد "الحرب الأهلية" في اليمن من أهم العوامل التي تهدد حركة الملاحة عبر مضيق باب المندب في السنوات الأخيرة

الأزمة ليست جديدة

ويوضح دكتور قلته: "أثبتت أزمة البحر الأحمر منذ أواخر 2023 أن مجرد ارتفاع المخاطر الأمنية يكفي لدفع شركات الشحن إلى تغيير مسارها حول رأس الرجاء الصالح".

وأضاف أن "بيانات منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) تشير إلى أن حمولة السفن العابرة لقناة السويس كانت قد انخفضت بنحو 70 في المئة بحلول منتصف 2024 مقارنة بمستويات أواخر 2023".

وأشار إلى أن "صندوق النقد الدولي سجل انخفاضاً في إيرادات القناة بنحو 50 في المئة على أساس سنوي في يناير/كانون الثاني 2024، بما يعادل نحو 375 مليون دولار مقارنة بكانون الثاني/يناير 2023".

كما رصدت الأونكتاد أن متوسط العبور في أكتوبر 2024 بلغ 33 عبوراً يومياً، أي أقل بنحو 57 في المئة من ذروته السابقة، بالتزامن مع إعادة توجيه السفن حول طريق رأس الرجاء الصالح.

ويرى قلته أنه "إذا كان اضطراب باب المندب يضغط على قناة السويس، فإن الإغلاق المستمر يمكن أن يحوّل الضغط إلى أزمة هيكلية في حركة العبور والإيرادات".

ورغم المخاوف حيال إمكانية اضطراب مسارات الملاحة الدولية حال سيطرة الحوثيين على المضيق، قال المتحدث باسم الحوثيين محمد عبد السلام على موقع إكس: "بشأن حرية الملاحة وحركة التجارة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب فهي آمنة ومنتظمة، ولا داعي لأي قلق دولي حيالها، فليس عليها أي خطر من جهة اليمن".

كيف تتعامل مصر مع الأزمة؟

ويرى دكتور قلته أنه "ينبغي على مصر أن تتحرك على ثلاثة مستويات متوازية، وهي: تأمين الممر، وإدارة الأزمة اقتصادياً، والتحرك سياسياً".

وقال: "على المستوى البحري والأمني، فإن مصر لا تستطيع حماية مصالحها في قناة السويس من خلال تأمين القناة وحدها، لأن تأمين حركة الملاحة في قناة السويس يبدأ إستراتيجياً من جنوب البحر الأحمر".

ورجح أنه من الممكن لمصر تحقيق ذلك عبر خيارات متعددة، منها على سبيل المثال "التعاون البحري والمخابراتي مع الدول المشاطئة للبحر الأحمر وخليج عدن في ما يتعلق بالتهديدات البحرية والطائرات المسيّرة والصواريخ، ودعم آليات الإنذار المبكر والمراقبة البحرية، والمشاركة في ترتيبات جماعية لحماية حرية الملاحة مع مراعاة عدم الانخراط في ترتيبات قد توسّع دائرة الصراع في المنطقة من خلال التنسيق الأمني مع الدول صاحبة المصالح المباشرة في حماية المضيق، خاصةً السعودية وجيبوتي وإريتريا واليمن".

وأشار إلى ضرورة اتخاذ مصر إجراءات لاحتواء الأزمة الاقتصادية التي قد تنشأ حال إغلاق المضيق، قائلاً إنه يمكن للحكومة المصرية "اتباع سياسات تسعير وحوافز مرنة للسفن التي تتردد في استخدام الطريق، وتكثيف التواصل المباشر مع شركات الملاحة الكبرى لتقديم تقييمات أمنية دقيقة ومحدثة".

وأكد أيضاً أن هناك "ضرورة لتعزيز قدرة الاقتصاد على امتصاص صدمات تراجع إيرادات القناة، خاصةً في ما يتعلق بتدفقات النقد الأجنبي، وذلك عبر تنويع مصادره".

وعلى المستوى السياسي والدبلوماسي، مصر لديها مصلحة مباشرة في الدفع نحو خفض التصعيد الإقليمي، لأن أزمة باب المندب ليست أزمة قرصنة، بل نتيجة لتداخل الصراع اليمني مع الصراعات الإقليمية الأوسع نطاقاً، وفقاً لقولته.

وأشار أيضاً إلى أن "مصر تستطيع استخدام أدواتها الدبلوماسية للدفع نحو منع تحوّل السيطرة على مضيق باب المندب إلى عامل دائم لتهديد الملاحة، وكذلك من أجل دعم تسوية سياسية في اليمن تمنع توظيف الجغرافيا اليمنية كسلاح ضد الملاحة الدولية، فضلاً عن تحميل القوى الإقليمية والدولية مسؤوليتها حيال ذلك".