لماذا يضع فلسطينيون العلم الأمريكي فوق منازلهم في الضفة؟

منزل لفلسطيني يحمل الجنسية الأمريكية يرفع العلم الأمريكي فوق منزله
    • Author, مروة جمال
    • Role, بي بي سي نيوز عربي
  • Published
  • مدة القراءة: 6 دقائق

لجأ فلسطينيون يحملون الجنسية الأمريكية في بلدة ترمسعيا، شمال شرقي رام الله، إلى رفع العلم الأمريكي فوق منازلهم، "على أمل أن يردع اقتحامات الجيش الإسرائيلي واعتداءات المستوطنين، أو يدفع السفارة الأمريكية إلى التدخل لحمايتهم".

ويقول أصحاب الفكرة إن تجارب شهدتها البلدة أظهرت اختلافاً في سرعة استجابة السفارة عندما كان العلم مرفوعاً فوق المنزل، لكن بعض المشاركين في المبادرة يخشون أن تؤدي إلى رد فعل معاكس من الجيش أو المستوطنين.

في زيارة قام بها السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي بعد هذه الدعوات، قال إن مهمة السفارة هي تمثيل الشعب الأمريكي والسياسة الأمريكية. وقال لبي بي سي "استمعنا إلى التحديات التي يواجهونها خلال العيش في منازلهم وعن بعض ممارسات الترهيب التي يقوم بها أشخاص أستطيع وصفهم بأنهم إرهابيون".

محاولة للفت انتباه واشنطن

تقع ترمسعيا على بعد نحو 20 كيلومتراً شمال شرقي رام الله، ويقول ياسر الكحلة، صاحب فكرة رفع الأعلام لبرنامج يوميات الشرق الأوسط عبر بي بي سي، إن الفلسطينيين في الضفة الغربية لا يملكون وسيلة للدفاع عن أنفسهم، وإن أي محاولة للدفاع قد تُعامَل بوصفها هجوماً وتعرّض صاحبها للاعتقال أو الاعتداء أو القتل.

وأضاف الكحلة، وهو فلسطيني يحمل الجنسية الأمريكية ويعيش في البلدة، أن الفكرة تقوم على رفع الأعلام الأمريكية فوق المنازل والمرافق العامة، أملاً في أن توفر لها قدراً من الحماية وأن تضع الإدارة الأمريكية أمام مسؤولياتها.

وقال: "لدينا فرصة حقيقية لإحراج الإدارة الأمريكية برفع الأعلام الأمريكية على بيوتنا وعلى المرافق العامة".

منزلان في شارع واحد

يروي الكحلة أن الجيش الإسرائيلي اتخذ، قبل أسابيع، منزلاً في البلدة ثكنة عسكرية، وأبلغ سكانه بأنه سيبقى فيه مدة 24 ساعة، قبل أن يمدد وجوده يوماً آخر، وكان المنزل لمواطن أمريكي، لكنه لم يكن يرفع العلم الأمريكي.

وبعد نحو 48 ساعة، انتقل الجنود، بحسب الكحلة، إلى منزل مقابل في الشارع نفسه، يرفع صاحبه العلم الأمريكي منذ سنوات، وأبلغوه أيضاً بأنهم سيبقون فيه 24 ساعة قابلة للتمديد.

وأضاف أن سكان البلدة تواصلوا حينها مع السفارة الأمريكية، وأبلغوها بأن دخول المنزل يمثل "تحدياً للفلسطيني والفلسطيني الأمريكي، وكذلك للإدارة الأمريكية والسفارة".

وقال الكحلة إن الجيش غادر المنزل بعد نحو أربع ساعات من التواصل مع السفارة، مضيفاً: "رأينا على أرض الواقع الفرق بين بيت يرفع العلم الأمريكي وبيت لا يرفعه".

أما الجيش الإسرائيلي فقال عند سؤاله عن تفاصيل ما جرى في المنزل الذي أشار إليه الكحلة - إن الجيش "يعمل في جميع أنحاء الضفة الغربية وفقاً للاحتياجات العملياتية العاجلة لحماية أمن سكان المنطقة". وقال الجيش أيضاً إن "هذه العمليات تأتي لحماية أمن مواطني دولة إسرائيل، مع احترام كرامة الإنسان والالتزام بالقانون".

"وفي الحالات التي تستدعيها الضرورة الأمنية، يُصرّح لقوات الجيش الإسرائيلي بالحجز المؤقت على المباني لفترة محدودة تُحدد مسبقاً، بما في ذلك المنازل الخاصة. وفي هذه الحالات، يُصدر أمر حجز مناسب ويُقدَّم إلى سكان المنزل".

ياسر الكحلة يرفع العلم الأمريكي فوق منزله
التعليق على الصورة، يقول ياسر الكحلة "لدينا فرصة حقيقية لإحراج الإدارة الأمريكية برفع الأعلام الأمريكية على بيوتنا وعلى المرافق العامة"

"كانت لحظة صدمة وحزن"

تخطى البودكاست وواصل القراءة
يستحق الانتباه

شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك

الحلقات

البودكاست نهاية

خاض حسن شكري، وهو مواطن أمريكي من أصل فلسطيني، تجربة مشابهة في منزله بترمسعيا، رغم رفع العلم الأمريكي فوقه. وقال شكري إن الجيش الإسرائيلي اقتحم منزله في مرة سابقة بينما كان خالياً، وحطم الأبواب وعبث بمحتوياته، ثم بقي فيه يومين.

وفي اقتحام آخر، كان شكري موجوداً في المنزل عندما طلبت منه القوات إخلاءه خلال ساعة واحدة لأسباب أمنية، من دون أن تقدم له تفسيراً آخر. وقال: "كانت لحظة صدمة وحزن"، مضيفاً أنه تواصل مع وسائل الإعلام والسفارة الأمريكية، قبل أن تنسحب القوات من المنزل بعد عدة ساعات من دون توضيح سبب الانسحاب.

ويرجح شكري أن ضغوط السفارة الأمريكية أسهمت في خروج القوات، لكنه يقول إن هذه النتيجة زادت شعوره بالحزن لأن غالبية الفلسطينيين لا يملكون الجنسية الأمريكية أو وسيلة لإيصال صوتهم إلى السفارة والإعلام.

وأضاف: "لا أسعى إلى إثارة الجدل، بل إلى مشاركة قصة إنسانية؛ قصة بيت وذاكرة وأمان يتمناه أي إنسان".

وقال إن رسالته تتمثل في النظر إلى الإنسان أولاً، وتمكين الجميع من العيش في منازلهم بأمان وكرامة، من دون أن يكون بقاؤهم مرتبطاً بالجنسية التي يحملونها.

وعند سؤال الجيش الإسرائيلي عن الحادثة، أشار إلى أنه "في إطار عمليات مكافحة الإرهاب في الضفة الغربية، وصلت قوات الجيش الإسرائيلي إلى المنزل المذكور وقدّمت إلى مالكه أمراً بالحجز المؤقت على العقار لأسباب عملياتية. لم يتم إجلاء المدنيين من المنزل وسُمح لهم بالبقاء فيه، ثم تَقرر لاحقاً عدم استخدام المنزل".

وردّاً على الأضرار التي لحقت بالمنزل والممتلكات - أجاب الجيش بأنه "في حال ورود أي ادعاءات محددة بشأن أضرار في الممتلكات أو أذى جسدي للسكان، فسيتم فحصها بدقة. وإنه في حال ثبوت وقوعها، سيتم التعامل معها بأقصى درجات الحزم".

"وجود العلم الأمريكي وقاية من اعتداءات المستوطنين"

رفع الفلسطيني الأمريكي لؤي أبو ريدة العلم الأمريكي على منزله في قرية قصرة، جنوب نابلس بالضفة الغربية، في 20 أغسطس/آب 2026 خلال حصار مستوطنين لمنزله ومنازل أخرى في القرية.

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، رفع الفلسطيني الأمريكي لؤي أبو ريدة العلم الأمريكي على منزله في قرية قصرة، جنوب نابلس بالضفة الغربية

يعتقد سمير جمعة حزمة أن رفع العلم الأمريكي فوق منزله أسهم في وقف مضايقات مستوطن يقيم بالقرب منه.

وقال حزمة إن "السفارة الأمريكية تستطيع الضغط على الجيش لإخلاء منازل المواطنين الأمريكيين خلال ساعات".

وأوضح أن منزله يبعد نحو 500 متر عن مستوطن أقام بؤرة استيطانية قريبة، وأنه رفع العلم الأمريكي فوق المنزل، فتوقفت المضايقات منذ نحو شهر، بحسب قوله.

بحسب إحصاءات الأمم المتحدة قُتل ما لا يقل عن 81 فلسطينياً على يد القوات الإسرائيلية أو المستوطنين في الضفة الغربية منذ بداية العام. ووقع 23 قتيلاً منهم على الأقل بسبب هجمات المستوطنين.

كما ذكرت الأمم المتحدة أن ثلاثة إسرائيليين، من بينهم عناصر أمنية ومدنيون، قُتلوا على يد فلسطينيين في الضفة الغربية خلال الفترة نفسها.

ومنذ يناير/كانون الثاني 2023 وحتى أغسطس/آب هذا العام، شهد 127 تجمعاً فلسطينياً في الضفة الغربية نزوحاً كلياً أو جزئياً، من بينهم 47 تجمعاً نزح سكانه بالكامل، ما أثّر في أكثر من 6390 فلسطينياً، وفقاً للأمم المتحدة.

وقد سجلت الأمم المتحدة أنه في عام 2026، نزح نحو 3800 فلسطيني، نصفهم تقريباً من الأطفال، بسبب عنف المستوطنين وعمليات الهدم والإخلاء.

مخاوف من رد فعل معاكس

رغم ذلك، يقول شكري إنه لا يستطيع الجزم بأن العلم أو الجنسية الأمريكية كانا السبب في سرعة انسحاب القوات من منزله.

كما يتساءل عما إذا كان ممكناً تعميم التجربة في البلدات الفلسطينية التي يعيش فيها مواطنون يحملون الجنسية الأمريكية، ويخشى أن "يؤدي استخدام العلم وسيلة للضغط إلى رد فعل معاكس من الجيش أو المستوطنين، بسبب ما قد يسببه من إحراج للحكومة الإسرائيلية".

لكن الكحلة يستبعد أن يدفع رفع العلم المستوطنين إلى مزيد من الاعتداءات، ويرى أنه قد يسهم في منعها أو الحد منها، أو يدفع الجنود على الأقل إلى معاملة سكان المنزل الذي يقتحمونه "بلين واحترام".

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ندد بأعمال العنف التي ارتكبها مستوطنون إسرائيليون في الضفة الغربية المحتلة، بعدما هاجم العشرات منهم بلدة قُصرة الفلسطينية، نهاية آب/أغسطس الماضي، واستنكر نتنياهو ما وصفه بـ"أعمال عنف إجرامية" ارتُكبت في قريتين فلسطينيتين. ووصف المستوطنين بأنهم "عدد قليل من مثيري الشغب الذين ينتهكون القانون".

وندّد الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ بأعمال العنف التي وصفها بأنها "تجاوز للخط الأحمر من قبل منتهكي القانون الذين يتصرفون بما يتناقض تماماً مع قوانين وقيم دولة إسرائيل"، ورأى أن ما حدث "وصمة عار على جبين إسرائيل".

ودعا هرتسوغ الحكومة والأجهزة الأمنية والقضاء وسلطات إنفاذ القانون إلى العمل "بكل الوسائل المتاحة وبتنسيق كامل لاجتثاث هذه الظاهرة الشائنة وتقديم مثيري الشغب إلى العدالة الكاملة".

اتصالات بالسفارة ومشرّعين أمريكيين

يقول الكحلة إن الحملة لم تقتصر على رفع الأعلام، بل شملت التواصل مع مشرّعين أمريكيين، من بينهم السيناتور كريس فان هولن.

ونشر السيناتور هولن مقطعاً عبر منصات التواصل دعا فيه السفير الأمريكي في إسرائيل مايك هاكابي إلى الاستقالة، مضيفاً أن مهمة السفير الأمريكي هي حماية والدفاع عن مصالح الولايات المتحدة وهي "المهمة التي فشل فيها هاكابي".

وأشار هولن في المقطع إلى اعتقال عدد من الفلسطينيين من حملة الجنسية الأمريكية، كما أشار إلى أنه رفقة 31 سيناتوراً دعوا هاكابي قبل عدة أشهر إلى محاسبة إسرائيل على مقتل أكثر من تسعة أمريكيين خلال الأعوام الأربعة الماضية.

وفي المقطع الذي بثه السيناتور عرض صوراً لعدة فلسطينيين يحملون الجنسية الأمريكية من بينهم مُسنٌّ مُلقىً على الأرض ينزف من رأسه بعد اعتداء الجيش الإسرائيلي.

زيارة هاكابي للضفة

زار السفير الأمريكي لدى إسرائيل بلدة ترمسعيا، شمال رام الله في وسط الضفة الغربية المحتلة والتي يحمل عدد كبير من سكانها الجنسية الأمريكية، يوم السبت 5 سبتمبر/أيلول الجاري.

وقال، خلال مؤتمر صحفي، إنه جاء للاستماع إلى "شكاوى الناس المشروعة، رسالتنا واضحة: الجريمة جريمة، والإرهاب إرهاب. وعندما يرتكب أشخاص مثل هذه الأفعال، ينبغي أن يتوقعوا مواجهة عواقب صارمة".

وقال هاكابي في تصريح لبي بي سي إنه "أوضح أن هناك قيوداً على ما يمكن للسفارة الأمريكية القيام به في دولة أخرى؛ فنحن لا نستطيع إجراء تحقيقات لأننا لا نملك تلك السلطة أو الصلاحية، ولا نستطيع البت في القضايا"، مضيفاً: "ولكن يمكننا التأثير، ويمكننا لفت الانتباه إلى الأمور التي تحتاج إلى تصحيح، وإلى حقيقة أنه ليس من المنصف للأغلبية العظمى من الناس الذين يعيشون بسلام على كلا جانبي هذه الحدود أن تتعطل حياتهم مادياً أو يتهددوا، كل هذه الأمور تحتاج إلى معالجة".