عندما يصبح الرجل أباً: كيف تعيد الأبوة تشكيل دماغ الرجال وتؤثر في سلوكهم؟

    • Author, دييغو أرغيداس أورتيز
    • Role, بي بي سي
  • مدة القراءة: 9 دقائق

يمرّ الرجال بتحوّلات هرمونية كبيرة منذ فترة ما قبل ولادة أطفالهم، على نحو يؤثر تأثيراً بالغاً في سلوكهم، بما ينعكس على رفاهية الأطفال.

خلال الأشهر التي سبقت ولادة ابني، حضرت أنا وزوجتي حلقة نقاش توعوية عن الولادة النشطة، وجلسة خاصة عن الرضاعة الطبيعية، ودورة دراسية ينظمها المستشفى لفترة ما قبل الولادة، كما قرأنا عدداً من الكتب التي تتناول موضوع الحمل ورعاية الرضّع، وتصفّحنا العديد من المواقع الإلكترونية، وسرعان ما امتلأت دفاتر ملاحظاتنا بالمعلومات.

تضمّنت ملاحظاتي في ذلك الوقت تفاصيل عن الطرق المتعددة التي يتهيأ بها جسد المرأة استعداداً للولادة والأمومة، ففي هذه الفترة ترتفع مستويات الهرمونات وتنخفض، وتتحرك الأعضاء، وتُعاد تشكيل الأدمغة (وظائف المخ).

بيد أن أحداً لم يخبرني بأن مخي وجسدي أيضاً كانا يستعدان لمرحلة الأبوة.

كان ابني قد تجاوز عاماً من العمر عندما صادفتْني هذه الفكرة أول مرة عند مطالعتي كتاب "وقت الأب"، من تأليف العالمة سارة بلافر هردي، التي ترى أن الرجال يمتلكون البنية البيولوجية اللازمة ليكونوا "بقدر ما تكون الأم الملتزمة، وتتوفر لديهم نزعة الحماية والرعاية".

أثار ذلك فضولي، فأنا مؤمن إيماناً راسخاً بالأبوة الفاعلة، بيد أنني كنت أتصور أن هذا التوجه ما هو إلا قرار ثقافي تبنّاه جيلي من الرجال، بيد أن كتاب هردي عرّفني على حقل أكاديمي كامل يؤكد أن نهجنا متجذّر في علم البيولوجيا، وإن كان كامناً ينتظر ما يحفزه.

وبعد أن أجريت مقابلات مع هردي وعدد من الخبراء الآخرين، وتعمّقتُ في الدراسات، خلصت إلى نتيجة بسيطة مفادها أن الأبوة تحفّز في الرجال تغييرات تماثل، في صداها، تلك التحولات التي تفعلها الأمومة في النساء، وكلما ازدادت مشاركة الأب في رعاية طفله، ازداد هذا التحوّل، وتكشف هذه التغيرات في جهازنا الهرموني والعصبي أن الأب الراعي ليس تغيراً حديثاً، بل سمة بيولوجية راسخة الجذور.

"تراجع التستوستيرون"

ظهرت أولى الدراسات، التي تناولت الطريقة التي يتغير بها الآباء جسدياً بعد ولادة الأطفال، من ملاحظات أُجريت على حيوانات أخرى؛ إذ كشفت هذه الدراسات، التي تعود إلى فترة أواخر القرن العشرين، أن العديد من الذكور في الثدييات، تُظهر تحولات هرمونية واضحة - تتضمن ارتفاعاً وانخفاضاً في مستويات هرمونات مثل التستوستيرون والفازوبرين والبرولاكتين، وهي هرمونات ترتبط عادةً بالأمومة، وذلك عند المشاركة في رعاية أبوية نشطة.

وعندما اطّلع عالم الأنثروبولوجيا الأمريكي لي غيتلر، وكان حينها طالباً في المرحلة الجامعية، على هذه النتائج في مطلع الألفية الثالثة، استحوذت على اهتمامه.

ويقول غيتلر، الذي يشغل حالياً مدير مختبر الهرمونات والصحة والسلوك البشري بجامعة نوتردام في ولاية إنديانا: "سألتُ أستاذي عمّا إذا كان أحد يدرس هذه القضايا لدى الآباء من البشر، وكانت الإجابة آنذاك في معظمها بالنفي".

نُشرت أول دراسة على الإطلاق تُثبت حدوث تغيرات هرمونية لدى الرجال عام 2000 على يد باحثتين كنديتين هما، كاثرين وين-إدواردز وآن ستوري، وبحلول الوقت الذي اطّلع فيه غيتلر على هذا المجال، كانت قد ترسّخت فكرة أن الآباء المشاركين في رعاية أطفالهم يمتلكون مستويات أقلّ من هرمون التستوستيرون مقارنة بالرجال الذين لا أطفال لديهم.

بيد أن غيتلر أوضح لي قائلاً: "ثمة إشكالية الدجاجة والبيضة هنا، أليس كذلك؟ هل الرجال ذوو التستوستيرون المنخفض هم الأكثر احتمالاً لأن يصبحوا آباء؟ أم أن الانتقال إلى مرحلة الأبوة هو الذي يؤدي إلى سلسلة من التغيرات البيولوجية لدى الرجال؟"

وللإجابة عن هذا السؤال وغيره، تعاون غيتلر مع علماء عكفوا على مشروع بحثي امتد لعقود في مدينة سيبو بالفلبين.

في عام 2005، استطاع هذا الفريق جمع عيّنات لعاب من 624 رجلاً، بمتوسط عمر يبلغ 21 عاماً، ليس لديهم شريكات حياة، وخضعت العيّنات لقياس مستويات التستوستيرون لديهم، ثم أُعيد اختبارهم بعد أربع سنوات.

وكان الهدف من الفحص هو الإجابة عن سؤالين: هل سيظهر على الرجال الذين يصبحون آباء خلال تلك الفترة مستويات أقل من التستوستيرون؟ وهل ستكون هذه المستويات أكثر انخفاضاً لدى الآباء الذين يقضون ساعات أطول في رعاية الأطفال؟

وبعد ظهور نتائج الفحص، كانت الإجابة عن كلا السؤالين بالإيجاب؛ إذ أظهر الرجال الذين أصبحوا آباء مستويات أقل بشكل ملحوظ من التستوستيرون مقارنة بغير الآباء، كما أن الرجال الذين قضوا وقتاً أطول في رعاية أطفالهم سجّلوا أكبر انخفاض في هذا الهرمون، وكذلك كان لدى الذين كانوا يتشاركون النوم مع أطفالهم الرضّع مستويات أقل أيضاً.

وقال غيتلر: "أعتقد أنها كانت أول إشارة واضحة في الدراسات العلمية إلى أن الرجال لديهم هذه القدرة على التهيؤ لمرحلة الأبوة"، ويضيف أن هذا يُمثل، على نحو ما، استعداداً بيولوجياً لدى الرجال للاضطلاع بدور الرعاية.

ولا تُعد هذه النتائج فريدة من نوعها، إذ خلصت فرق بحثية أخرى إلى نتائج مفادها أن انخفاض مستويات هرمون التستوستيرون أثناء حمل شريكة الحياة يرتبط بارتفاع مستويات الاستثمار والالتزام والرضا بعد الولادة، كما تبيّن أن مستوى هذا الهرمون يرتبط أيضاً بردود أفعال الرجال تجاه بكاء الأطفال، حيث يجعلهم أكثر يقظة واستجابة، كما خلص فريق في مختبر غيتلر، في عام 2018، إلى أن الآباء من أصحاب المستويات المنخفضة من التستوستيرون يميلون إلى المشاركة بدرجة أكبر في رعاية الرضّع والأطفال الصغار.

بيد أن السؤال يظل قائماً: متى يحدث ذلك؟ شغلت الإجابة عن سؤال: هل يحدث هذا قبل الولادة أم بعدها ذهن جيمس ك. ريلينغ، مدير مختبر علم الأعصاب الاجتماعي البشري بجامعة إيموري في الولايات المتحدة.

وقال: "كان افتراضي أنه يحدث خلال فترة ما بعد الولادة، بعد قضاء الآباء بعض الوقت في التفاعل مع أطفالهم".

بيد أن النتائج التي توصلوا إليها كانت مفاجئة، فعندما أجرى الفريق اختباراً شمل الآباء المحتملين بعد أربعة أشهر فقط من حمل الزوجة، تبيّن أن هرمونين كانا بالفعل أقل مقارنة بالمجموعة الضابطة، وهما التستوستيرون والفازوبرسين.

ويقول ريلينغ: "المثير للاهتمام أنه كلما انخفض مستوى التستوستيرون لديهم، ازداد انخراطهم مع الأم والرضيع في فترة ما بعد الولادة"، وأضاف أن الفازوبرسين أظهر تأثيراً مماثلاً.

ويولي ريلينغ اهتماماً بمعرفة أسباب هذه الظاهرة، فهل ثمة إشارة فرمونية يتلقاها الآباء الذين ينتظرون قدوم طفل من زوجاتهم الحوامل؟ أم أنه تحوّل نفسي يحدث بمجرد علمهم بأنهم ينتظرون طفلاً؟ وكما هو شأن العديد من النتائج المفاجئة في هذا الحقل العلمي الحديث نسبياً، فإن الإجابة لا تزال غير معروفة، بيد أن المؤكد هو أن هذه التغيرات تتجاوز مجرد التستوستيرون.

"هرمون الحب"

لنأخذ، على سبيل المثال، هرمون الأوكسيتوسين، المعروف بهرمون الحب، وهو أحد الهرمونات التي أذكرها من الدورات التدريبية التي شاركت فيها قبل الولادة، حيث كان المدربون يشجعوننا على الحفاظ على أجواء هادئة وسلسة أثناء آلام قبل الولادة لضمان تدفق الأوكسيتوسين لدى زوجتي على نحو يُسهّل عملية الولادة.

وبعد ولادة ابني، أبلغونا بحدوث تدفّق كبير من الأوكسيتوسين عند الولادة، إلى جانب زيادات متكررة نتيجة الرضاعة الطبيعية، الأمر الذي عزّز الترابط بيني وبين زوجتي، بيد أنني لم أكن على علم بأن مستوى الأوكسيتوسين كان يرتفع لديّ أيضاً في الساعات الأولى بعد ولادته، بينما كان طفلي مستلقياً نائماً على صدري العاري.

وخلصت العديد من الدراسات حول العالم إلى ارتفاع مستويات الأوكسيتوسين لدى الآباء، بما في ذلك أولئك الذين لديهم أطفال تتراوح أعمارهم بين عام وعامين، وكذلك الذين يتفاعلون مع رُضّع دون سن ستة أشهر، ويبدو أن ذلك يرتبط بمقدار الوقت الذي يقضونه مع أطفالهم.

فعلى سبيل المثال، أظهر الآباء الذين شاركوا في أنشطة لعب أكثر وتواصُل أكبر مع أطفالهم ارتفاعاً في مستويات الأوكسيتوسين، كما لوحظت تغييرات مماثلة حتى عندما يحمل الآباء أطفالهم حديثي الولادة لأول مرة.

ويعمل هرمون الأوكسيتوسين على تعزيز غريزة الأبوة بدرجة كبيرة، ويمكن اختبار ذلك، كما يوضح ريلينغ، من خلال إعطاء هذا الهرمون للرجال عبر الأنف وملاحظة النتائج.

ويقول: "هناك دراسة أحبها كثيراً، انطوت على إعطاء الآباء أوكسيتوسين عن طريق الأنف أثناء تفاعلهم مع أطفالهم، وتبيّن أن ذلك جعلهم يحركون رؤوسهم بسرعة أكبر"، وخلال مكالمة فيديو، قام ريلينغ بتحريك رأسه من اليسار إلى اليمين ومن الأعلى إلى الأسفل بطريقة بدت كأب شديد الحماس.

وتشير هذه النتائج إلى وجود حلقة إيجابية معززة ذاتياً مرتبطة بالأوكسيتوسين؛ إذ يؤدي ارتفاع مستوى الهرمون إلى زيادة تفاعل الأب مع طفله، مما يفضي بدوره إلى مزيد من الارتفاع في مستواه.

وكلما تعمّق العلماء في دراسة هذا المجال، اكتشفوا المزيد من التغيرات في هرمونات أخرى كذلك؛ ففي دراسة نُشرت عام 2025، خلص ريلينغ وفريقه إلى أن هرمون الفازوبرسين - وهو هرمون يرتبط في الحيوانات غالباً بالموطن والعدوان بين الذكور- كان منخفضاً لدى الآباء الجُدد قبل ولادة أطفالهم.

ومن الهرمونات المفاجئة الأخرى: البرولاكتين؛ ففي الإنسان، يُعرف هذا الهرمون بدوره في عملية الرضاعة ورعاية الأم، إلا أن علماء الأحياء ربطوه برعاية الأب في حيوانات أخرى- بما في ذلك الطيور والأسماك وقردة المارموسيت في أمريكا الجنوبية، والمعروفة بسلوكها الأبوي.

وفي عام 2023، أجرى فريق بقيادة عالمة النفس الإكلينيكية الأمريكية، داربي ساكسبي، دراسة على مستويات البرولاكتين لدى الآباء المحتملين، وتوصلوا إلى أن من كانت لديهم روابط أقوى مع جنينهم كانت لديهم مستويات أعلى من هذا الهرمون، كما تبين أن مستويات البرولاكتين قبل الولادة تتنبأ بدرجة مشاركة هؤلاء الآباء في الرعاية لاحقاً.

وكما لوحظ سابقاً في حالة هرمون الأوكسيتوسين، فإن هذه التغيرات الهرمونية تكون أكثر وضوحاً لدى الآباء الأكثر مشاركة في رعاية أطفالهم.

وتقول داربي: "ليس صحيحاً أن الأمهات الجدد فقط هن من يمررن بتغيرات هرمونية؛ إذ يبدو أن الرجال يُظهرون بعضاً من نفس أشكال التكيّف وبعضاً من نفس النتائج".

"مراهقة ثانية"

تدرس ساكسبي إذا ما كانت هذه التحولات الهرمونية تترك بصماتها على أدمغة الآباء أم لا، وتقول: "كنت أرى أن الآباء يمثلون في الواقع فئة مثيرة للاهتمام، بل تكاد تكون فريدة، من حيث إنهم يختبرون تحولات الأبوة دون المرور بالحمل البيولوجي".

وتحصل الأمهات اللواتي يلدن على تدفق هرموني كبير خلال فترة الحمل، يعقبه تدفق آخر عند الولادة، بيد أن تجربة الزوج لا تحظى بتسليط الضوء عليها، وتوضح ساكسبي: "هذا يسمح لنا تقريباً بفصل آثار الحمل عن آثار خبرة الأبوة"، وهو موضوع من المتوقع إصدار كتاب عنه العام الجاري بعنوان "دماغ الأب".

وكان فريقها قد تعاون، قبل سنوات، مع باحثين في إسبانيا لإجراء تصوير دماغي لآباء جُدد قبل ولادة أطفالهم وبعدها، وتبيّن وجود تغيرات عصبية تحدث بالفعل؛ إذ كانت أدمغتهم تتكيّف للتأقلم مع خبرات ومعلومات جديدة.

وتقارن ساكسبي هذه المرحلة الانتقالية إلى الأبوة بمرحلة المراهقة، بوصفها أيضاً نافذة نمو حرجة يحتاج فيها الدماغ إلى التكيف مع تحديات ومثيرات وأفكار جديدة.

وأظهرت دراسة متابعة أن الرجال الذين شعروا بارتباط أقوى بجنينهم أو الذين خططوا لإجازة أبوية أطول هم من حدث لديهم تغيرات أكبر في أدمغتهم؛ وفي عام 2026، أورد ريلينغ أدلة مماثلة على تغيرات دماغية لدى الآباء الجدد، مما عزز فكرة هذا التحول العصبي.

وكما هي الحال في العديد من التغيرات التي تطرأ على أدمغة وأجساد الآباء، هناك مبدأ "استخدمه أو تفقده": فكلما زادت المشاركة، زادت درجة التغير، وتقول سارة هردي: "كأن شيئاً يجري تفعيله".

وترى أن جميع أدمغة البشر تمتلك قدرة كامنة على الرعاية الأبوية، أو ما تسميه "الركيزة البيولوجية للرعاية غير المباشرة"، والتي يمكن تنشيطها في الظروف الملائمة.

وتقول هردي، في كتاب "وقت الأب"، إنه مع تطور الإنسان إلى مجتمعات أكثر تعقيداً، كانت الرعاية الجماعية هي العامل الذي مكّن البشر من الازدهار، وكان من المفيد وجود رجال قادرين على تقديم الرعاية الأساسية للطفل، ومن ثم تطورت لدى الإنسان قدرة على ذلك، وهي قدرة لا تزال موجودة حتى اليوم.

وتقول: "الأم الطبيعة سيدة ذات عادات سيئة بعض الشيء، لكنها مدبرة منزل دقيقة، وعندما تمتلك عنصراً لا تستخدمه فوراً، فهي لا تتخلص منه، بل تحتفظ به في خزانتها".

وتتجلى هذه "العناصر المخزنة" في دراسة تعود إلى عام 2014 تصفها هردي بأنها "واحدة من أكثر الدراسات العلمية إثارة قرأتها على الإطلاق".

استطاع فريق من الباحثين الإسرائيليين، بقيادة روث فيلدمن، في هذه الدراسة، الاستعانة بأزواج مختلفي الجنس تتولى فيها المرأة الرعاية الأساسية بينما يقوم الأب بدور المساندة، وكذلك شركان من المثليين يربّون أطفالاً دون مشاركة نسائية، وقام الفريق البحثي بتصوير أدمغتهم أثناء مشاهدتهم مقاطع فيديو لأطفالهم.

في الأزواج من مختلفي الجنس، أظهرت أدمغة النساء القائمات بالرعاية الأساسية نشاطاً في مناطق ترتبط بالاستجابات الغريزية العميقة، مثل اللوزة الدماغية، بينما أظهر الرجال الداعمون لهن نشاطاً أكبر في المناطق الاجتماعية، وهو ما قد يشير إلى قيامهم أولاً بتقييم الموقف قبل الاستجابة لهذا الموقف.

أما الشركاء المثليون الذين تولوا الرعاية الأساسية فقد أظهروا نشاطاً مشابهاً للغاية في اللوزة الدماغية ومناطق أخرى تُعد "أمومية" في الدماغ، مع احتفاظهم في الوقت نفسه بالعنصر الاجتماعي.

"تحولات اجتماعية"

اتفق جميع الخبراء الذين تحدثت إليهم، وكذلك غالبية الدراسات في هذا المجال، على أن هذه التطورات في بيولوجيا الأبوة ينبغي أن تعيد توجيه السياسات العامة المتعلقة بالأسرة.

وتقول ساكسبي: "إنها أولوية مجتمعية ملحّة تقتضي أن نُعزّز فرص الآباء في بناء تلك الروابط"، وتضيف بأن إصلاح سياسات منح إجازة بعد إنجاب أطفال، على سبيل المثال، يمكن أن يسهم في تعزيز الارتباط بين الآباء وأطفالهم.

ولفت غيتلر إلى تغيير مُهمّ آخر يتمثل في إشراك الرجال منذ المراحل الأولى، بما في ذلك حضور فحوصات الموجات فوق الصوتية، والالتزام بالمواعيد الطبية والتفاعل الفعّال مع شريكة الحياة خلال فترة الحمل.

وقال: "نعلم أن هذا الأساس البيولوجي قد يبدأ تفعيله خلال فترة الحمل، بينما تستعد الأسر لاستقبال طفلها".

ويحقق الآباء الأكثر مشاركة في الرعاية فوائد للأسرة، إذ تحدثت الأمهات اللواتي لديهن شركاء أكثر مشاركة في الرعاية عن تحسّن الصحة النفسية في عدة دول، من بينها باكستان وكينيا والولايات المتحدة.

والأهم من الأمر هو استفادة الأطفال أيضاً، ففي دراسة كبيرة شملت متابعة 292 أسرة على مدى سبع سنوات، نُشرت مطلع عام 2026، خلص باحثون من الولايات المتحدة إلى أن الأطفال الذين لديهم آباء أكثر اهتماماً تمتعوا بصحة قلبية أفضل، والمفارقة أن سلوك الأمهات لم يُظهر التأثير ذاته.

وقال غيتلر: "أعتقد أن هناك مجالاً للتفكير في كيفية أن بيولوجيا الأبوة توفر أساساً لتنظيم أسر قوية وصحية منذ البداية".