"أكتوبر لم يعد وردياً": نساء سودانيات يتحدثن عن المرض والحرب

نساء وأطفالهن ينتظرون الحصول على الرعاية الطبية في المستشفى الإيطالي في بورتسودان في أكتوبر/ تشرين الأول 20124
التعليق على الصورة، نساء وأطفالهن ينتظرون الحصول على الرعاية الطبية في المستشفى الإيطالي في بورتسودان في أكتوبر/ تشرين الأول 20124
    • Author, الفاتح وديدي
    • Role, بي بي سي نيوز عربي
  • Published
  • مدة القراءة: 6 دقائق

في صباح شتوي قبل ثلاث سنوات، جلست إسراء قبالة المرآة. تتفحص جسدها ببطء. لم تكن هذه أول مرة؛ فقبلها بأشهر كانت قد اكتشفت الكتلة لأول مرة عبر الفحص الذاتي الذي كانت تجريه شهرياً. منذها باتت عادة يومية لديها.

في ذلك الصباح، في غرفتها بمدينة كسلا شرقي السودان، لم يكن أمام إسراء سوى ذكرياتها، لكن في الأعوام التالية يبدو كما لو أن الحرب غيرت كل شيء.

في مدينتها الهادئة رأت إسراء النازحات يتوافدن من الخرطوم والجزيرة ومن أصقاع دارفور في أقاصي غرب السودان إلى خشم القربة والضواحي الآمنة في شرق البلاد.

في البداية كانت تتفحص أوجاعها. ثم باتت تتساءل بقلق في دخيلتها عما سيؤول إليه الوضع في كسلا: "هل تعصف الحرب بهذه الديار أيضاً؟ وأين الملاذ؟".

حتى لو ضمنت الاستقرار في مرتع صباها تحت "جبال التاكا"، ما الذي يعنيه الضغط على الخدمات في ظل كثافة النزوح، بالنسبة لمريضة تتلقى العلاج.

لاحقاً، غدت تحصي مع النازحات أوجاعهن وآلام البلاد. في الجلسات المطولة التي كانت تجمعها مع رفيقات التداوي كانت تأسى لحال أخريات يبحثن عن العلاج، بلا أموال. ليس لديهن ترف الوصول إلى كسلا، ولا استطاعة لجرعة قد تكلفهن ملايين الجنيهات.

فوق هذا وذاك؛ لا يجدن سبيلاً للوصول إلى مراكز الإشعاع في بقية الولايات.

يحل "أكتوبر الوردي" على هؤلاء منذ أكثر من ثلاث سنوات والنظام العلاجي يتداعى. فيما البنى التحتية للقطاع الصحي تروي سيرة الدمار وغياب الكوادر ونقص العلاج.

نساء بصحبة أطفالهن ينتظرن في الظل للحصول على رعاية طبية خارج المستشفى الإيطالي للأطفال في بورتسودان، في 8 أكتوبر 2024.

رحلة الآلام

تخطى البودكاست وواصل القراءة
يستحق الانتباه
يستحق الانتباه

شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك

الحلقات

البودكاست نهاية

تصف إسراء هذه الفترة بأنها "عصيبة".

فقدان مصادر الدخل ومغالبة المرض مع رحلة النزوح. ما يعانيه المرضى من قسوة الطريق والمشقة. فمريضة السرطان لا تتحمل هذا كله.

تقول: "النساء لا يجدن المياه النظيفة، ولا الغذاء الجيد الذي يعينهن على مصاعب السفر والحركة من مكان إلى آخر. لا يجدون الراحة ويقضون فترات طويلة تحت الشمس اللاهبة. "هذا وضع لا يطيقه الأصحاء".

بعض المريضات كن قد وصلن بالفعل إلى كسلا، فيما أخريات نزحن إلى ولايات بها مراكز أورام؛ مثل ود مدني في ولاية الجزيرة وشندي بولاية نهر النيل ومروي بالولاية الشمالية.

أما صاحبات الحظ السعيد، تضيف إسراء، فهن من "أسعفتهن مقدرتهن على السفر للعلاج خارج السودان".

في كسلا، تقول هويدة إبراهيم، رئيسة ومؤسسة (مبادرة سعاد لمكافحة سرطان الثدي)، إن التبرعات الشهرية التي كانت تصلهن بانتظام أصبحت تذهب كلها إلى مساهمة العلاج وفحوصات المريضات وسفرهن إلى الإشعاع في مروي ودنقلا بالولاية الشمالية.

أسعار الأدوية تتراوح بين 200 ألف جنيه ومليون جنيه للجرعة الواحدة، أي ما يعادل حوالي 280 إلى 320 دولاراً أمريكياً، حسب تقديرها.

تقول هويدة إنهن اضطررن لإغلاق استراحة كانت تؤوي المريضات اللواتي يتوافدن من أنحاء بعيدة. "الإيجار تعسّر والإنفاق على الدواء أولى".

فحص ذاتي وجهاز خارج الخدمة

في كسلا، تعمل هويدة إبراهيم مع المنظمة التي أسستها عام 2012.

جاءت الفكرة بعد وفاة قريبة لها جراء مضاعفات سرطان الثدي.

لم تكن سعاد -التي سميت المبادرة باسمها- تعرف أن لديها مشكلة حتى فات الأوان.

تقول هويدة إن المنظمة تقدم فحصاً ثابتاً في مقرهن الذي يتوافد إليه المرضى من الحلنقة والختمية والمرغنية وغيرها من الأحياء الكسلاوية. لكن تحت وطأة الحرب، بات المكان ملاذاً لنساء من مختلف ولايات البلاد. يخضعن لرعاية طبيبات وممرضات مدربات يجرين الفحص السريري.

النساء هنا يتعلمن طريقة الفحص الذاتي. تعطى كل امرأة بطاقة لتسجيل مواعيد الفحص. إذا شعرت بأي تغيير، تأخذ البطاقة وتعود لمقابلة الطبيب. لكن هناك مشكلة: جهاز الماموغرام معطل.

تقول هويدة: "هذا الجهاز الذي يساهم كثيراً في الاكتشاف المبكر".

إسراء تعرف هذا الجهاز، فقد كانت تجري فحصوتها عليه قبل الحرب، وهو الجهاز الوحيد الذي يمكنه اكتشاف الكتل الصغيرة قبل أن تصبح كتلاً محسوسة حجمها أكبر.

يتلقى مرضى العلاج في مستشفى القضارف للأورام شرقي السودان، في الأول من مايو/أيار 2024.

ثلاث سنوات بعد دمار "الذرة"

مستشفى الخرطوم لعلاج الأورام، المعروف باسم (الذرة) هو المركز المرجعي لعلاج السرطان في السودان، توقف العلاج الكيميائي فيه لأكثر من ثلاثة أعوام. عاد المشفى للعمل في مارس آذار 2026، حيث أعطيت أول جرعة كيميائية من داخل المستشفى بعد انقطاع طويل.

ندى صالح عثمان مسؤولة المختبر الطبي وبنك الدم في المستشفى قدمت أرقاماً للتردد خلال شهر سبتمبر أيلول 2026.

تقول إنهم استقبلوا 323 مريضاً جديداً و798 مريضاً متابعاً.

في الثالث من أكتوبر تشرين الأول الجاري، بدأت عمليات الكشف المبكر.

في ثلاثة أيام وفدت إليهن 45 امرأة، بعضهن اطمأنن، وأخريات تم الاشتباه بحالتهن وتحويلهن للخضوع لفحوصات الموجات الصوتية أو للإبر لأخذ العينات.

تقول ندى إن الفحوصات مجانية لكن هناك عوائق، فالكهرباء العامة غير مستقرة والأجهزة المتخصصة الكبيرة في المختبر لن تعمل قبل حل معضلات الطاقة. تضيف: "نحن منتظرون".

من دور العلم إلى دور الإيواء

مخيم نازحين في السودان
التعليق على الصورة، مخيم نازحين

في مدينة وَدمدني، عاصمة ولاية الجزيرة، نظمت ناهد مصطفى، المعلمة بمدرسة الجيل التعليمية، بحي الدرجة، فعالية توعوية للطالبات والمعلمات.

رفعت الحملة شعاراً بسيطاً؛ "صحتك عندنا غالية".

تحدثت ناهد عن الفحص الذاتي، وخصصت وقتاً مقدرا من الفعالية للتذكير بأن 90 في المئة من الحالات يمكن إنقاذها إذا ما اكتشفت مبكراً.

لكن الرسالة نفسها تصل الآن إلى جمهور مختلف.

تقول ألق محمد، ناشطة في العمل التطوعي بدأت حملاتها في المدارس الثانوية للبنات، إن التوعية يجب أن تبدأ حتى من الأعمار الصغيرة في الثانويات، حتى تفهم الفتاة جسمها والعلامات التي تستدعي الانتباه.

لاحقاً، توسعت الحملة، التي تحمل مسمى "لها"، إلى الأحياء.

ومع واقع الحرب بدت دور الإيواء والمخيمات الأماكن الأكثر استهدافا من قبل ألق ورفيقاتها في "لها".

في دور الإيواء، تغير كل شيء.

تقول ألق: "كنا نستهدف النساء والبنات هناك".

"لم يكن الحديث عن سرطان الثدي فقط، كان عن الخصوصية والكرامة واحتياجات يومية أبسط من أي تشخيص طبي".

الفحص المبكر، خط الدفاع الأول

في الخرطوم وولايات البلاد المختلفة، توقفت مراكز متخصصة كثيرة عن العمل بفعل الحرب دمرت أجهزة العلاج الإشعاعي وهاجرت الكوادر الطبية بحثاً عن صيغ أفضل للحياة.

تقول سليمى إسحاق، رئيسة مستشارية المرأة والطفل في الودان، إن الحرب غيرت كل شيء.

قبل اندلاع القتال في عاصمة البلاد، كانت الخرطوم تكتظ بفعاليات أكتوبر الوردي. وكانت خدمات الكشف المبكر مجانية في معظمها.

تقول: "أنا نفسي كنت من الناس الذين يذهبون لهذه الخدمات المختلفة كل عام".

الآن البنية التحتية تدمرت والأولويات تغيرت.

سليمى تربط بين الحرب والصحة النفسية للمرضى. تقول إن الدعم النفسي كان يساعد كثيراً في التعافي. عندما يكون "كل الوضع سيئاً" يتأثر المرضى. ربما لم يعد أكتوبر كما العهد به سابقاً.

"لأن حياتك تستحق"

لمياء متوكل، الإعلامية بالهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون القومي، ليست شاهدة على الأزمة فقط.

لمياء واحدة من النساء اللواتي عبرن تجربة سرطان الثدي.

تقول إنها تعلمت من تجربتها أن الخوف لا يجب أن يكون سبباً في تأجيل الفحص، وأن المعرفة والفحص المبكر يمكن أن يصنعا فرقاً حقيقياً في حياة المرأة.

من هنا، جاءت مبادرتها للتوعية بسرطان الثدي منذ عام 2019. هذا العام أطلقت نسختها السابعة تحت شعار "لأن حياتك تستحق"، ورسالتها "ليست خوفاً من المرض، بل وعياً بالحياة".

توقفت المبادرة خلال العامين 2023 و2024 بسبب الحرب.

تقول لمياء: كنت في الخرطوم. مكثت بها وهي تحت سيطرة قوات الدعم السريع. بإيمان راسخ أن صحة المرأة لا ينبغي أن تتوقف، تواصل لمياء رسالتها في التوعية. مازالت تصل إلى النساء في ولايات السودان المختلفة ومجتمعات النزوح.

في كل عام تختار لمياء منطقة لتسلط عليها حملتها، بخلاف الخرطوم، دشنت متوكل جولات عديدة خلال السنوات الماضية جابت خلالها أرجاء دارفور وكردفان وولاية الجزيرة وشرق السودان.

هذا العام دشنت حراكها من النيل الأبيض في كوستي.

وفي النصف الثاني من الشهر تتهيأ للسفر إلى الولاية الشمالية.

حقيبتها مكتنزة بقصاصات ورقية وعناوين رئيسية لاتجاهات الحملة: "لا تؤجلي صحتك"، "الاهتمام بصحتك ليست رفاهية"، "حياتك تستحق".

أمل وسط الركام

صورة تعبيرية

بعد أكثر من 3 سنوات على الحرب التي اندلعت في السودان، في أبريل/نيسان 2023، تغيرت الكثير من الأشياء فيما يبدو بينما الفحص المبكر لا يزال ممكناً من وجهة نظر إسراء.

تنصح الجميع أن الفحص الذاتي في البيت أمام المرآة، كل شهر، يمكن أن يكشف التغييرات الأولى. تغير في شكل الجلد. تغير في اللون، الإفرازات، ظهور الكتل.

إذا لاحظت المرأة أياً من هذه الأعراض تذهب إلى أقرب وحدة صحية. "أكتوبر الوردي هو شهر الأميرات الصابرات على المرض". تسترسل إسراء، قبل أن تضيف: ربنا يشفيني ويشفي جميع مرضى سرطان الثدي.

في كسلا تعلم هويدة إبراهيم النساء طريقة الفحص الذاتي. تسجل المواعيد على بطاقات. إذا اكتشف ورم، تتابع المنظمة مع المريضة. حال كان حميداً، تتابع لثلاثة أشهر أو ستة.

إذا كان خبيثاً، تتحول إلى مراكز الأورام وتناقش البروتوكول العلاجي مع الأطباء.

في مستشفى الذرة بالخرطوم، عيادات الكشف المبكر تعمل. الفحوصات مجانية كما تقول الطبيبة ندى عثمان. بعض النساء يأتين. العدد ليس كبيراً بعد، لكنهن يأتين على أي حال.

بالنسبة للمياء متوكل الفحص المبكر حياة ويمكن أن يحدث فرقاً. أما هويدة إبراهيم فتؤمن بأن أكتوبر فرصة نجاة، وفرصة حياة. يظل الأجمل في أكتوبر، من وجهة نظرها، أن "الناس شايلين بعض".

هذه القصص وغيرها عُرضت عبر برنامج "للسودان سلام"، الخدمة الإذاعية الطارئة على إذاعة بي بي سي عربي. يمكنكم الاستماع إلى الحلقات اليومية من الأحد إلى الخميس. هنا