متظاهر من "حزب الصراصير" الهندي يتحدث عن مزاعم احتجازه، فهل كان السبب اسمه المسلم؟

صدر الصورة، Mohammad Junaid
- Author, زويـا متين
- Role, بي بي سي نيوز
- Author, ديلناواز باشا
- Role, بي بي سي الخدمة الهندية
- Reporting from, Delhi
- Published
- مدة القراءة: 6 دقائق
كان أول ما تعلمه محمد جنيد عن التعليم هو أنه يمكن أن يغيّر مصير وقدر الإنسان.
لم يكن والداه متعلمين كما لم تسمح لهما الظروف بالذهاب إلى المدرسة، فقد كانا يعملان في الزراعة، في قطعة أرض صغيرة خارج مدينة "غازي آباد" في شمال الهند، ولم يكن أي منهما يجيد القراءة أو الكتابة. ومع ذلك، كانا يتحدثان عن "العلم" (وهي كلمة تعني المعرفة في اللغة الأردية) بشيء يقارب التبجيل. وكانا يخبران أطفالهما بأنه مهما حدث، فلا بد لهم من التعلم ومواصلة الدراسة، فالتعليم كان الهدية الوحيدة التي كان بوسعهما تقديمها لأبنائهما.
ولهذا السبب، يشارك محمد، البالغ من العمر 24 عاماً، ويدرس الحقوق، في تنظيم واحدة من أكبر الاحتجاجات الطلابية في الهند خلال السنوات الأخيرة.
وقد لجأ محمد جنيد الآن إلى المحكمة العليا في الهند، زاعماً أنه احتُجز بشكل غير قانوني بسبب دوره في تنظيم تلك التظاهرة.
يدعي جنيد أن الشرطة الهندية احتجزته قبل يوم واحد من انتهاء احتجاجات "حزب الصراصير" جانتا، وأخضعته كذلك للاستجواب طوال الليل قبل أن تطلق سراحه في اليوم التالي، ولم يُنظر بعد، في الالتماس الذي قدمه للقضاء.
وقد أثار الإجراء المتخذ ضده، بحسب مزاعمه، انتقادات من سياسيين معارضين وجماعات معنية بالحريات المدنية، في حين اتهم قادة "حزب الصراصير" السلطات باستهداف المتطوعين، ولم ترد شرطة دلهي على طلب بي بي سي للتعليق.
وحزب الصراصير جناتا أو حزب شعب الصراصير، كما يسميه البعض، هو تيار سياسي هزلي تأسس في 16 مايو/ أيار 2026 رداً على تصريحات أدلى بها رئيس المحكمة العليا الهندية الحالي شبّه فيها الشباب العاطلين عن العمل بـ"الصراصير" و"طفيليات المجتمع".
وخلال أيام قليلة من تأسيسه، تمكنت الحركة من استقطاب أكثر من 350 ألف منتسب، كما تجاوز عدد متابعيها على إنستغرام 20 مليون متابع.
شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك
الحلقات
البودكاست نهاية
ويأتي التماس جنيد وسط مزاعم بوجود حملة قمع أوسع نطاقاً تشنها الشرطة، إذ اتهم متظاهرون في دلهي وولايات أخرى الشرطة بتنفيذ عمليات احتجاز غير قانونية. وقد وجهت المحكمة العليا السلطات بعدم اتخاذ إجراءات قسرية ضد المتظاهرين الذين ليس لديهم سجل جنائي أثناء النظر في القضية، كما حذر الحزب من أنه سيستأنف إضرابه ما لم يتم إسقاط القضايا المرفوعة ضد المتظاهرين.
ويُعد ما حدث تحول غير متوقع في مسار جنيد، الذي أخبر بي بي سي بأنه لم يكن يتخيل نفسه ناشطاً حتى وقت قريب.
فعندما دعا الحزب الطلاب لأول مرة في شهر يونيو/ حزيران للتجمع في منطقة "جانتار مانتار" في دلهي احتجاجاً على مخالفات شابت اختباراً رئيسياً للقبول في كليات الطب، حزم جنيد أمتعة خفيفة متوقعاً قضاء يوم واحد فقط هناك، لكنه بقي لستة أسابيع.
ومع توسع الاحتجاج ليتحول إلى حملة أوسع نطاقاً للمطالبة بالمساءلة، أصبح جنيد جزءاً من مجموعة صغيرة من المتطوعين الذين تولوا مهمة استمرار الحراك. ورغم أنه لم يكن يوماً من قادة الحركة، إلا أن حضوره الدائم - متولياً مهام توفير الطعام والماء والمأوى - سرعان ما جعله وجهاً مألوفاً لدى المحتجين.
يقول محمد جنيد "الآن أريد أن أقضي حياتي في النضال من أجل ذلك، ولن أتوقف".

صدر الصورة، Mohammad Junaid
في الليلة الأولى للاحتجاج، قرر مئات الطلاب عدم مغادرة موقع الاعتصام، حيث كانت مياه الشرب شحيحة، ولا يوجد مكان للنوم، وتكاد تنعدم أي خطة لما سيحدث بعد ذلك.
لذا، بدأ جنيد بجمع التبرعات لشراء زجاجات المياه، تلتها بعض الوجبات الخفيفة والوجبات الكاملة، وبحلول مساء اليوم التالي، كان يبحث عن أغطية وأماكن ليتمكن الطلاب المنهكون من النوم فيها.
وكان قد تطوع سابقاً خلال احتجاجات المزارعين عام 2020، لذلك وجد نفسه يعتمد على تجربته السابقة تلك.
يقول جنيد "كان أعضاء الحزب مفعمين بالحماس، لقد جاؤوا ومعهم عزيمتهم، بينما ساعدت أنا في التنظيم، بما اكتسبته من تجاربي السابقة".
ومع مرور الأسابيع، اكتسب احتجاج "حزب الصراصير" طابعاً منظماً وروتينياً، إذ كان المزارعون يصلون محملين بالخضروات، وترسل دور العبادة السيخية (الغوردوارا) وجبات مطبوخة، كما كان الناس يأتون حاملين الأدوية وزجاجات المياه وصناديق الفاكهة.
وفي مرحلة ما، توقف المتطوعون عن سؤال بعضهم البعض عن وجهة الإمدادات، إذ كانوا يقولون ببساطة "أعطوها لجنيد".
كان العمل متواصلاً بلا هوادة، ويُقدّر جنيد أنه لم يكن ينام سوى ساعات قليلة في معظم الليالي، لكن أكثر ما ظل عالقاً في ذاكرته هو تلك الحوارات التي تدور بينه وبين الناس.
جاء الآباء والأمهات من مختلف أنحاء الهند حاملين ملفات تحتوي أوراق امتحانات أبنائهم وبطاقات تسجيلهم ووثائق أخرى، وتحدث بعضهم عن القروض التي اخذوها لدفع تكاليف الدروس الخصوصية والتحضيرية.
يتذكر جنيد زوجين جاءا إلى موقع الاحتجاج في اليوم الذي كان من المفترض أن يكون عيد ميلاد ابنتهما، وأخبراه أنها انتحرت بعد تسريب ورقة الامتحان، وقضيا اليوم في توزيع الطعام على المحتجين تخليداً لذكراها.
كانت كل قصة تذكره ببيته وبوالديه اللذين آمنا دائماً بأن التعليم يفتح الأبواب للمستقبل.
يقول جنيد إنه كثيراً ما يجد نفسه يقدم النصيحة ذاتها لشقيقه الأصغر: اقرأ قدر المستطاع، واجتهد في دراستك، ولا تعتبر التعليم أمراً مسلماً به أو هيناً.
ويضيف "بعد سماع تلك القصص، أدركت أن الأمر لم يعد يتعلق بي وحدي".

صدر الصورة، Getty Images
ثم جاء يوم 20 يوليو/ تموز، حيث تحدى آلاف المتظاهرين حظراً فرضته الشرطة وساروا نحو البرلمان، لكنهم قوبلوا بالغاز المسيل للدموع، وهجمات قوات الأمن بالهراوات، وحملات اعتقال جماعي.
قضى جنيد ساعات في محاولة العثور على الطلاب المفقودين، وتوفير مياه الشرب، ورعاية المصابين، ومساعدة المتظاهرين المذعورين على العودة إلى المخيم. ويقول إن رؤية الطلاب -الذين وصلوا وهم لا يحملون سوى الأمل- يعودون وقد أصيبوا بكدمات وسعال شديد نتيجة الغاز وحالة من الرعب، قد تركته في حالة صدمة واضطراب.
يقول جنيد "لقد كسر ذلك اليوم شيئاً بداخلي، وبعدها، أدركت أنني لا أستطيع ببساطة الانسحاب والابتعاد".
وبعد خمسة أيام، وعقب استقالة وزير التعليم دارمندرا برادان، أعلن حزب الصراصير الانتصار وأنهى الاحتجاجات، وقام المتطوعون بترتيب ما تبقى من الإمدادات، وتعانقوا مودعين بعضهم البعض، وبدأوا في التخطيط للعودة إلى ديارهم.
لكن قصة جنيد الشخصية اتخذت مساراً مختلفاً.
إذ يقول إنه قبل ساعات من انتهاء الاحتجاج، أُلقي القبض عليه بعد مغادرته المستشفى، حيث كان يتلقى العلاج إثر تعرضه لعضة كلب ضال. ويذكر أنه خضع لاستجواب مفصل حول دوره في الاحتجاج، كما يزعم في شكواه الرسمية أن عناصر الشرطة عصبوا عينيه أثناء اقتياده إلى مركز الشرطة.
وتوضح الشكوى التي قدمها أيضاً أن الشرطة استهدفت عائلة جنيد، إذ تشير إلى أن والده "اُقتيد" من منزلهما في غازي آباد يوم 23 يوليو/ تموز وخضع للاستجواب لساعات، قبل أن تقوم الشرطة بتفتيش المنزل في اليوم التالي، متسببة في إتلاف الأثاث والبحث عن وثائق الهوية والتفاصيل المصرفية للأقارب، وقد نفت شرطة غازي آباد هذه المزاعم، وصرحت لبي بي سي بأنها اكتفت باستجواب والده دون تقديم مزيد من التفاصيل.
وفي حين غمرت مقاطع فيديو للمؤيدين المبتهجين وسائل التواصل الاجتماعي، انتشر على نطاق واسع مقطع آخر يظهر فيه جنيد وهو ينهار باكياً أثناء مقابلة صحفية.
قال فيها إن هذه التجربة دفعته للتساؤل حول أمر آخر.
فطوال فترة الاحتجاج، نادراً ما طُرح موضوع الدين، إذ يقول: "لم يسأل أحد عما إذا كنت هندوسياً أو مسلماً، كنا مجرد طلاب ومتطوعين".
ويضيف أنه لم يبدأ في التساؤل عما إذا كان اسمه المسلم قد أثر في نظرة الآخرين إليه إلا بعد احتجازه، ورغم أنه يقر بعدم امتلاكه دليلاً على ذلك، إلا أن الفكرة ظلت تلازمه، وقد تواصلت بي بي سي مع الشرطة للحصول على تعليق.
وكانت حكومة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي قد واجهت في السنوات الأخيرة، انتقادات من جماعات حقوقية وأحزاب معارضة بشأن ما تصفه بتزايد تهميش المسلمين، الذين يشكلون أكبر أقلية دينية في الهند، وهي اتهامات دأبت الحكومة على نفيها.
وعندما عاد جنيد إلى منزله في اليوم التالي، طلب منه والداه عدم العودة إذا ما استأنف الطلاب احتجاجاتهم.
لقد قضى الوالدان حياتهما وهما يؤمنان بأن التعليم سيغير حياة ابنهما، لكن الواقع -على حد تعبير الابن- كان أن التعليم أوقعه في مشاكل مع الشرطة.
غير أن جنيد ينظر إلى الأمر باعتباره "تضحية صغيرة" في إطار نضال أكبر، ويؤكد أنه إذا عاد الطلاب إلى الشوارع، فسيعود هو أيضاً.





























